فخر الدين الرازي
26
النبوات وما يتعلق بها
ويقول أرميا في الأصحاح الثاني من سفره : « الكهنة لم يقولوا : أين هو الرب ؟ وأهل الشريعة لم يعرفونى . والرعاة عصوا على . والأنبياء تنبئوا ببعل ، وذهبوا وراء ما لا ينفع » . وهذا اعتراف آخر بأن الأنبياء لم يتنبئوا فقط عن اللّه عز وجل ، بل عبدوا صنما اسمه « بعل » وتنبئوا باسمه . ويقول ارمياء في الأصحاح الرابع عشر من سفره : « فقال الرب : بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي . لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم . برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم ، هم يتنبئون لكم » فقد أعترف ارمياء بأن الأنبياء ساووا العرافين في الكذب والضلال ، مع أن اللّه حذرهم على لسان عبده موسى بأن لا يسمعوا للعرافين والمنجمين والسحرة [ تثنية 18 : 10 ] . فإذا كان من علماء بني إسرائيل اليوم انكار لنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أنكروا إله محمد - رب العالمين - وعبدوا « البعل » وقد وصاهم اللّه بنبذ السحر ، وترك العرافة ، فاشتغلوا بالسحر وبالعرافة . ومن كان شأنهم هكذا ، فهل يستبعد منهم انكار الحق ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ؟ وفلاسفة اليهود ادعوا نظرية « الفيض » لتبرير « كذب » أنبياء اليهود . فان الكذب لما ساد باسم « الوحي » وطلب الناس الأدلة على أن ما يحكيه الأنبياء الكذبة من الوحي . ابتدعوا : أن المخلية تتصل بالعقل الفعال في هذا الزمان . وهذا الزمان ليس كزمان موسى النبي الّذي كان يأتيه الملاك أو يكلمه اللّه تعالى من وراء حجاب . فلكل زمان طريقة وحى مخصوصة . ونظرية الفيض هذه ثبت من التوراة ضررها فقد قال أرمياء : « من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض » ولما اقتبسها المسلمون في صدر الاسلام ، عن طريق « المتطرفة » : ألبست على الناس دينهم . ولذلك هي نظرية باطلة . لا يؤمن بها الا من عنده خبل في العقل أو نقص في الدين .